أضيف في 04 يناير 2015 الساعة 53 : 22


المرأة في التراث اللغوي : صوت الأنثى بين الموت و الحياة -الحلقة 3-


مرّ بنا في حلقة سابقة  أنّ ضمير المرأة المؤنث عرف تهميشا أثناء صوغِ المصطلح في العلوم اللغوي ، منها النحو و البلاغة ، و ظهر ذلك في تحيُّزِ العلماء الذكور لضميرهم المذكر الذي اعطوه أخطر قسمة في الوجود اللغوي ، و هو اللفظ عماد اللغة ، و تركوا المعنى لضمير المؤنث الذي لا يعدو أن يكونَ فرعا هامشيا و مطروحا على قارعة الطريق !!

تُظهر النصوص الدينية الصحيحة أن الأصل في الخلق هو آدم \ الذكر و بالتالي فإنّ أول ضمير سيوجد في اللغة هو ضمير المذكّر، أمّا الفرع الثاني في الخلق هو الأنثى \ حواء، و بالتالي فإن ضمير المؤنث سيكون ثاني وتالٍ لضمير المذكر، وكان ذلك لحكمة إلهية عادلة.

غيرَ أنّ النصوص الدينية \ القرآنية على وجه الخصوص تبيّن لنا أنّ الأنثى تعرّضت لأبشع صور القتل و الإقبار منذ فجر التاريخ و كان ذلك على يد الرجال \ الذكور \ الفحول ، ألم يقل الله تعالى (و إذا الموءودة سُئِلَت ؛ بأي ذنبٍ قُتِلت ) التكوير 8 \ 9 . و الموءودة حسب ابن عبّاس ترجمان القرآن هي البنت المدفونة ، و يذكر ابن كثير في تفسيره الضخم أن صحابيا يدعى  قيس بن عاصم جاء إلى رسول الله و قال لهُ يا رسول الله إنّي وأدتُ بناتٍ لي في الجاهلية. التفسير ص 1966. ألا يبدو الآن أن تهميش ضمير الأنثى \المؤنث من لدن علماء العربية الذكور  أثناء صوغهم المصطلح النحوي و جعلوه على الأكثر مذكّراً هو امتدادٌ لتهميش و إقبار الأنثى في الجاهلية ! هل كانت الأنثى نشازا غير مرغوب فيه عند الذكر \ الأصل ؟ ! هذه العادة رفضها الإسلام و أقر تكريم المرأة أيّما تكريم.

يُخبرنا الله تعالى عن قصّة امرأة عمران فيقول في سياق هذا (و ليس الذّكرُ كالأنثى) يفسر ابن كثير هذه الآية  قائلا : ( أي : في القوة و الجلد في العبادة و خدمة المسجد الأقصى) ص362. هذا التفسير يحيلُ إلى أمرين ؛ الأول أن امرأة عمران كانت ترغب في مولود ذكر يتفرغ للعبادة و يقوم بخدمة بيت المقدس كما هو واضح فيما قبل هذه الآية. الثاني : أنّ ابن كثير يشيرُ إلى مميزات الذكر الفحل و هي الصبر و الجلد..؛ و لكنّهُ لا يشير إلى مميزات الأنثى ! هذه الأنثى في الآية ستكون أم نبي الله عيسى عليه السلام. كما أنه لا يشير إلى المفاضلة بين الجنسين ، لأنّ المقام ليس مقام المفاضلة أو القِوامة ، و لوْ كان ذلك لكانت الأنثى أفضل ،لأنّها ستكون مريم (و إنّي سميتُها مريم) والدة عيسى عليه السلام، ولكنه لم يذكر هذا ! و ستكون الأنثى أفضل لأنّها جاءت في مقام المُشبه به ، و المشبّه به أقوى في المنزلة من المشبّه ، فجات صيغة الآية بلاغيا (و ليس الذكر "المشبه" كالأنثى "المشبه به" ). و أستغرب لماذا لم يذكر هذا ابن كثير و هو المفسّر الفحلُ النّحريرُ !!  و حاشا لله أن نجرّح في جهود ابن كثير. و لكن السؤال يبقى مطروحا. هناك مسألة غريبة هي أنه لم يصِلنا تفسير للقرآن كتبتْهُ امرأة ؛ غاب صوت المرأة عن كتابة تفاسير للقرآن الكريم !!

و من بين صور إقبار صوت المرأة المؤنث في التراث اللغوي نجد تجريد الأسماء المؤنّثة من مُقوّماتها التي يسمّيها النحاة بــعلامات التأنيث و منها  "التـاء"  فقالوا مثلا في لفظ وُضِعَ للمؤنث (زوجة) ليس فصيحا ، بل الأفصح هو (زوج) و الفصيح هو ما كان لفظُهُ فحلاً أصلا مُذكّرا (زوج) ، أمّا لفظ (زوجة) إن أراد أن يكون فصيحا فعليه  أن يتنازل عن علامة التأنيث "التاء" و يرتدي غطاء التذكير ليُصبحَ فحلاً !  إنّي أتخيل امرأة تعرّفُ بنفسها و تقول : ( أنا فلانة زوجُ فُلان...) هل كُتبَ على صوت المرأة أن يتكلّم من داخل صوت الرجل \المذكّر ؟ بدعوى التفاصح في الكلام !  يبدو هذا صحيحاً على الأقل في المستوى التجريدي للغة العربية ؛ دعوى التفاصح في الكلام كانت الهمّ الأكبر لدى علماء النحو و البلاغة ، و كانوا يهيبون بالمتفاصح في الكلام يقول السجستاني ( الفصاحة ترفع الخامل ، و تزيد النبيه انتباهً)  بل إنهم كانوا أكثر هوساً بذلك لدرجة أنّهم يستدلّون بمثلٍ ينسبونه لعليّ رضي الله عنه و هو ( المرءُ مخبوءٌ تحت لسانهِ )  يعني إذا نطق فأفصحَ عَظُمَ في العيون ، و المَثَلُ جاء مذكرا لأنّ الأفصح التذكير، و عليه فصيغة (المرأة مخبوءةٌ تحت  لسانها ) صيغة مرفوضة لأنها تفيد التخصيص \ المؤنث. و المؤنث ليس أصلا ، و عليه فالتذكير أولى و أصح للمثل . يُمكنُ أن نضيف مثالاً آخر يجسد هذه الحقيقة على مستوى الواقع بعيدا عن مستوى التجريد ، و نعرضُ قولاً مأثوراً عن الشاعر بشّار بن برد الملقب بصريع الغواني ، يذكر هذا القول الكاتب عمر رضا كحالة في كتابه الكبير " أعلام النساء " ج 1 الصفحة 361 ، حيث يقول : ( وكان بشّار يقول : لم تقل امرأة شعراً قطُّ إلا و تبيّنَ الضّعفُ فيه ، فقيلَ لهُ : أَوَ كذلكَ الخنساءُ؟ ! فقال : تلكَ كان لها أربعُ خصي ) يحيل هذا القول إلى أمرين، أحدهما أن الشاعرة الخنساء \المؤنث هي حالة استثناء فقط و لا يقاسُ عليها ، لأن أي امرأة قالت الشعرَ إلا و يكون شعرها ضعيفا. الثاني يكون هذا الاستثناء الخنساء \ الأنثى \  قوة ضاربة يًبيحُ من الضروري تذكير المؤنث و إعطائه بعضا من خصائص الرجل \ المذكّر ، و لهذا قال بشار (تلك كان له أربع خصي ) هذا يؤكد حقيقة مفادها أنه لا مفر من سيطرة الرجل على المرأة ، و إن أرادت أن تكونَ مثله عليها أن تتخذ شيئا من صفاته ، و هذا واقع تؤكد بعض الحقائق المجتمعية. الخنساء هنا في ذهن بشّار الرجل الفحل هي امرأة مسترجلة لأنها غلبت كبار الشعراء الفحول (الأعشى \ حسان بن ثابت ..)  و هذا الأمر كان سائدا و ساري المفعول ، لأن المرأة مخلوق ضعيف في ذاكرة الأعراب ، و إذا قوِيت عليها أن تقوى بأعضاء الرجل ، و إذا تكلمت عليها أن تتكلّم بضمير المذكّر لكي تكون أفصح ! فقوة المرأة كامنة في قوّة الرجل.

هناك نصٌّ آخر يؤسس لهذه الثقافة التي ترى في المرأة مخلوقا ضعيفا لا قيمة له ، و بالتالي لا يمكن الاعتداد بها ، و لوْ أنها ممّا خلقَ اللهُ و كرّمَ...؛ و هذا النصُّ أكثر خطورة لأنه يؤسس لثقافة الوهم التي عشّشتْ في ذاكرة الأعراب ، جاء في قصيدة من قصائد النقائض للشاعر جرير و هو يتفاخر على خصمه الفرزدق  بيتٌ شعري يدعونا للتوقف كثيرا ، يقول : (شيطانهُ من الجنِّ أنثى \\\  و شيطاني من الجنّ ذَكَر) هذا البيت الشعري يحيل إلى خرافة كانت العرب تؤمن بها و هي أنّ لكل شاعر شيطانٌ يلهمُهُ الشعر ، و بيت جرير هنا يحيل إليها مباشرة ، كما يسجّل هذا البيت أن المرأة ليست ضعيفة في الحقيقة وحسبْ ، بل هي ضعيفة حتى عند الجنّ ، فجرير هنا يُلحقُ بالفرزدق هزيمة نكراء بأن جعلَ شيطانهُ من الجنّ أنثى ، و يعُدُّها نقيصة من نقائصه ؛ و مجرّد الرجوع إلى شعر جرير سنجده يتفنن في هجاء خصمه الفرزدق بكل الأوصاف المؤنّثة و كأنّه ــ و كأن ثقافة العرب ــ لا يجدُ أوصافاً مُذكّرة ليهجوهُ بها !!، و هذا موت آخر يصيب المرأة المؤنث عن طريق الرجل المذكّر و لو كان ذلك في ثقافة وهمية إلا أنّ له امتداد في ثقافة الواقع ، هذه الثقافة سيجسدها رواد النظر الشبقي  الجنسي للمرأة ، و هذا موضوع حلقتنا القادمة.

 





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
سانتا كلوز .. مسيح الشيوعية!
أزمات قطر الجديدة بالمغرب
المهربون التنمويون 2: الخبرة المحلية بين الاستعباد والاستبعاد
المرأة في التراث اللغوي: الخفّة و الثقل \ الصوت و المعنى الحلقة (2)
محمد الجوادي – كونت “فلاندرز”!
المهربون التنمويون العدد 3 : الــمــؤامـــرة الصـــامـــــتـــــة
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعد عامين عن مؤتمره التاسع
توضيح بشأن صورة نشرت في جريدة “أخباركم الأسبوعية”
ولاية الفقيد.. أحدث نظريات الحكم العربية!
المرأة في التراث : بين الرّجُلِ الفَحْلِ و الأنثَى الفَحْلةُ الحلقة -4-