أضيف في 03 يناير 2015 الساعة 24 : 21


المهربون التنمويون 2: الخبرة المحلية بين الاستعباد والاستبعاد


تفاعلا مع النقاش العمومي حول مسارات الفعل التنموي بإقليم بوجدور، وفي إطار سبر أغوار هذا الفعل، والتفتيش عن مكامن الخلل والاختلال به ، سنخصص هذا العدد من سلسلة مقالتنا للحديث عن الخبرة المحلية وضرورة تثمينها، بالنظر إلى كون المورد البشري هو الثروة الحقيقية للأمم ، وما التنمية سوى توسيع لخياراته .أمر يدفعنا الى التساؤل عن مكانة العنصر البشري المحلي ، وهل يمكن تأسيس تنمية حقيقية و اقتصاد اجتماعي رائد ، بدون إشراك وتثمين لخبرته؟
في البداية لابد أن أشير إلى أن إشادتنا في المقال السابق بالكفاءات المحلية ورفضنا للسياسة الاستبعاد التي ينتهجها عامل عامل الإقليم في حقها ،يرجع بالأساس الى ملاحظتنا للأدوار المهمة التي لعبتها هذه الكفاءات في المسار التنموي بالإقليم ، وكذا الى المسار المهني المشرف والمؤهلات العلمية والعملية التي تتوفر عليها هاته الكفاءات في مجال التنمية باعتراف من الدولة وليس لاعتبار أخر .
فتقييم أداء الفاعل البشري المحلي ينبغي أن يتأسس على معايير موضوعية ومقاييس منطقية تتمثل في الخبرة ، ومدى تحقيق الأهداف المنشودة في التنمية . وليس على المولاة والاعتبارات الشخصية المحدودة ، ووسائل بدائية كالوشاية او “اسواقا” …او على الحسابات الانتخابية الضيقة.
ونحن هنا لا نسوق لخطاب للتمييز والتفريق الاثنوغرافي بين العنصر البشري المحلي ، فالعنصرية كما يعرفها علم الاجتماع السياسي هي أفقر أشكال السياسة . بل نؤكد ان هوية الفاعل التنموي الحقيقي تكمن في مقومات إنسانية كونية تتعدى الخصوصيات الفردية والمحلية من قبيل النزاهة والاستقامة والمسؤولية ..
ان الخيرات الجمة التي أغدق بها إقليم بوجدور على الكثيرين حلو به كضيوف.أوجبت عليهم أن يلتزموا بآداب الضيف . فالكثير من المسؤولين رحلوا عنه تاركين وراءهم رصيد كبير من الأخطاء والخروقات والتجاوزات في حق التنمية بالمنطقة ، في وقت كانوا يعتصرون في كلامهم دما غيرة على الإقليم وحرص على مصلحة سكانه . ولعلهم قد يفلتون من المحسابة والعقاب لكن هناك عقاب رمزي في ذاكرة سكان بوجدور سيظل يطاردهم ويقاضيهم .
ولعل قراءة في اثنوغرافيا الملكية العقارية ببوجدور تكشف لنا النقاب عن أشكال التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الذي نتج عن سياسة ريع هؤلاء المسؤولين المحلين ، فنسبة مهمة من الوعاء العقاري بالإقليم هي في ملك فئة خارج الإقليم خاصة في المواقع الاستراتيجية في المدينة ( المنطقة الاقتصادية .البقع الاقتصادية …) والأمثلة متعددة في مجالات أخرى .
ان منطق “شري الفيلا زيد العمارة ” هو المنطق السائد في ذهنية المواطن في تقييمه لسياسة المسؤولين إلا من رحم ربي منهم ، منطق جعل إقليم بوجدور جنة للغرباء والعابرين فأرقام المعاملات التي ضختها الدولة هربت إلى مدن اخرى لشراء عقارات وفيلات ..على حساب الموطنين من أرامل ومطلقات ومعطلين وشباب وفئات هشة اخرى .

ان هذا المنطق التهريبي للتنمية ، يدفعنا للتساؤل عن موقع إنسان المنطقة هل هو غائب أم مغيب ؟
ان ما يملكه الإنسان الصحراوي من قدرات وخبرات في مجالات متعددة ، يجعلنا ننتصر للخيار الثاني ، والذي هو التغييب والاستبعاد.
فالعقم الذي تعانيه جل المبادرات التنموية بالصحراء حسب الكثيرين ناتج عن عملية قيصرية أو ولادة غير طبيعية يخضع لها الفعل التنموي بهذه الأقاليم ، فالمشاركة الفعلية للأفراد تظل شكلية وتقتصر في الغالب على مستوى الاستفادة مما يكرس ثقافة الدعم ( “الرسيون” الاجتماعي الاقتصادي والثقافي… الخ ) مما يكبل إمكانية استثمار قدرات السكان ويجعلهم خارج دورة الإنتاج ، فما يتوفر عليه الإنسان من قدرات وخصائص سيمكنه دون شك من بناء أرضه و تطوير مجاله . فالشيخ “الكساب” الذي يوجد وراء نوقه في ابعد نقطة في الصحراء، يملك من الخبرة ومن القدرة على التشخيص ما لا تملكه مكاتب الدراسات ،والتي وان كانت تملك بروفيلا تقنيا صرفا، فإنها لا تملك عمقا إنسانيا و سوسيولوجيا ، راكمه إنسان المنطقة في مجالات مختلفة على مر التاريخ ،وهو ما يعني أن التنمية هي بالدرجة الأولى فعل إنساني يعمل على برمجة خطط و عمليات من الإنسان ومعه ولأجله.
فالإنسان الصحراوي ليس ظاهرة خرافية أو كائنا أسطوريا، لا يمكن الوعي بحقيقته وجوهره وان التنمية ليست واقعا مستحيلا ، فالإمكانيات التي يتوفر عليها ، إذا تم توظيفها بشكل يراعي مقوماته من كرامة وحرية وإرادة وعدالة اجتماعية، وخصوصياته من احترام لعناصره الثقافية من تقاليد وعادات وقيم ومعايير اجتماعية.. ستكمن مما لا يدع مجالا للشك من انخراط هذا الإنسان في صناعة مصيـره وبناء مستقبله بعيدا عن كل أشكال التوتر والصراع .
وهو ما يعني ان تثمين الخبرة المحلية وربطها بمحيطها الجهوي والوطني هو المدخل الأساسي للتنمية ، و الحل الأمثل والخيار الاستراتيجي وهو ما على المسؤول الأول عن الشأن المحلي ببوجدور أن يعيه فالصحراويون لا يريدوا ان يكون عبيدا او مستبعدين في جزيرة معزولة عن العالم ، بل يريدوا ان يكون شركاء في تطوير ارضهم .فهناك قطاعات منتجة ظل الفاعل البشري المحلي خارج دورة انتاج القرار فيها ، وهنا نتحدث عن قطاع الصيد البحري وقطاع الفلاحة . ولعل نجاح مجموعة من شباب المنطقة في مجال الصيد البحري ،وكذا نجاح تجربة ضيعة ام الرجيلات خير دليل على فعالية الخبرة المحلية والأمثلة عديدة .
وقطاع السياحة الذي هو قطاع غائب عن السياسة العمومية بالإقليم هو قطاع استراتيجي يمكن المراهنة عليه في المسقبل نظرا للتنوع المنتوج السياحي المحلي . فما يفترضه هذا القطاع هو تثمينه و استثمار الخبرة المحلية والمؤهلات الطبيعية وموقع الإقليم بالنسبة للواجهة السياحة للداخلة و وكذا جزر الكناري .
يتضح مما سبق أن الحديث عن التنمية بهذا الأقليم يحتاج لكثير من التحليل والفهم و التراكم المعرفي والعلمي ،فالمطلوب هو إخراج الفعل التنموي من دائرة التناول الشكلي الفلكلوري إلى مستوى البلورة العلمية و المفاهيمية الكونية . فما يملكه أهل الصحراء من تقاليد وعادات وسلوكات وقيم ورأسمال رمزي يمكن تثمينه وجعله رافعة للتنمية القائمة على تبادل الخبرات والمصالح المشتركة بشكل عادل وكما يقول ادم سميث” أعطني ما احتاجه منك وسأعطيك ما تحتاجه مني. بهذه الطريقة يتم الحصول على الجزء الأكبر من هذه الخدمات النافعة والضرورية بين الناس ” فالتنمية ليست تبييضا للفساد وتكريسا لثقافة الريع و الو لاءات العرجاء، فالحكامة و التدبير المتخلق للمجال عناصر تضمن لا محالة انخراطا قويا للعباد و تؤسس لرأسمال ثقة عنوانها التنمية ولا شيء غير التنمية داخل الدولة الواحدة .

ذ مـــــــحمـــــــد اطــــــريــــــح

 





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
سانتا كلوز .. مسيح الشيوعية!
أزمات قطر الجديدة بالمغرب
المرأة في التراث اللغوي: الخفّة و الثقل \ الصوت و المعنى الحلقة (2)
محمد الجوادي – كونت “فلاندرز”!
المهربون التنمويون العدد 3 : الــمــؤامـــرة الصـــامـــــتـــــة
المرأة في التراث اللغوي : صوت الأنثى بين الموت و الحياة -الحلقة 3-
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعد عامين عن مؤتمره التاسع
توضيح بشأن صورة نشرت في جريدة “أخباركم الأسبوعية”
ولاية الفقيد.. أحدث نظريات الحكم العربية!
المرأة في التراث : بين الرّجُلِ الفَحْلِ و الأنثَى الفَحْلةُ الحلقة -4-