أضيف في 03 يناير 2015 الساعة 27 : 21


المرأة في التراث اللغوي: الخفّة و الثقل \ الصوت و المعنى الحلقة (2)


1) الخفة و الثقل
تحيلنا ثنائية الخفة و الثقل على تصوُّرٍ اكثر تحيُّزٍ لصالح ضمير الرجل المذكّر، يظهر هذا بجلاء عندما نبحثُ في التعليلات التي يقدّمُها بعض النحاة لكثير من الظواهر النحوية ، فهذا السجستاني يقول ( اعلم أنّ المذكّرَ أخفُّ من المؤنّث؛ لأنّ التذكير قبل المؤنث، فلذلك صُرفَ أكثرُ المُذكّر العربي ، و تُرِكَ صرفُ المؤنّث العربي) يقْذِفُنا قول السجستاني في بحرٍ متلاطم الأمواج تًصادر فيه حقوق المؤنث تحت ذريعة العلل المانعة من الصرف !! فقول السجستاني يُحيلنا على قاعدتين أساسيتين ، الأولى متعلّقة بالخفّة و الثقل. و الثانية متعلّقة بالممنوع من الصرف في اللغة العربية، يرى النحاة في الفعل الماضي مثلا (ذهب : فعل ماض مبني عل الفتح..و هو مبني على الفتح لأنه أصل في السماع.) أمّا في نحو(ذهبتْ : فيقولون في تاء التأنيث الساكنة أنها لا محلّلها من الإعراب) و هي عند ابن يعيش في ‘شرح الفصل’ لتأنيث الفاعل في بنية الجملة ، و ليست لتأنيث نفسها، و هناك اضطهاد آخر لصوت الأنثى في السياق التركيبي للجملة. أمّا في حالة تعدّد الفاعل لفعل واحد من قبيل (جاء زيدٌ و خالدٌ و زهيرٌ و فاطمةٌ و سعادٌ) فإنّ الفعل يأخذ صفة التذكير التي هي أصل فيه و هي تتطابقُ تماما مع الفاعل المذكر، و رغم أن الجملة تضم فواعل مؤنثة فإن صيغة الفعل تبقى مذكر لأن المذكر أصل و المؤنث فرع .ص 353. يظهر التحيز في أن الأصل يأخذ إعرابا بالبناء على الفتح لأنه أصل، و الأصل مذكّر، و المذكر لا علامة له، لأنه أصل لا يفتقر لعلامة تدلُّ عليه حسب تعبير السجستاني في الصفحة 36. و يبدو أنّ ثنائية الأصل و الفرع (المذكّر \ المؤنث) ستلاحق المؤنث\ المرأة حتى و هي تتخذ موقعا إعرابيا، فما بالنا إن بَحَثَتِ المرأة المؤنث عن موقع في الحقوق المدنية !! و يتابعُ السِّجِسْتاني أنّ المذكّر أكثرهُ ينصرف ، و الأكثر يدخلُ في العموم الذي يطّردُ و يُقاسُ عليه، و اللغة تؤخذُ بالقياس كما ورد عند علماء النحو الذكور. أمّا المؤنث فهو متروك لا ينصرف، وذلك لعلّة مرضيّة هي “التأنيث” تظهرُ على المؤنث لفظا و معنى !! يضعُ النحاة لمنع صرف المؤنث قيدين ؛ أحدهما لفظي، و ثانيهما معنوي، هل يا ترى يتعلق الأمر بعدوٍّ سيحاربهم فتراهم قد وضعوا له قيدين لكي لا ينصرف و لا يتحرك، و لا تظهر عليه علامة الحرية، لأنه إن ظهرت عليه علامة الحرية و اخذ مواقع إعرابية مختلفة سيستوي مع المذكّر، و هذا لا يستقيم في نظر النحاة الذكور ، يحدّثنا ابن يعيش عن هذين القيدين فيقول : (ان تكون فيه علامة تأنيث في اللفظ مثل ‘طلحةَ’ فإنه مؤنث و لكنه لا ينصرف للعلميّة و التأنيث..أما القيد المعنوي فأن يكون مسمّاهُ مؤنثا ، و إن لم يكن فيه علامة ظاهرة مثل ‘سعادَ’ و ‘زينبَ’) شرح المفصل ج1. ص 169. وهكذا يجب على المؤنث ان يظلّ مكبّلاً بحركة واحدةٍ، أو لنقل مكبّلاً بسلاسل غياهب السجون التي يتصورُها النسق الثقافي الثاوي في عقلية الذكور ! و في أحسن الأحوال إن أراد المؤنث أن ينصرف، و يتحرر من قيود اللفظ و المعنى..فعليه أن يصبحَ نكرة ، و النكرة تجعل المؤنث \المرأة في موقع المجهول الذي لا هوية له\ها ، يقول ابن يعيش ( فإذا نُكِّرَ انصرف، لأنه لم يبقَ فيه إلا التأنيث وحدَهُ) ص 168. و ما دام التأنيث وحده فلا خوفَ منهُ. يُمكنُ تفسير هذا التحيّز في صوغ المصطلح النحوي أو تعريفه و رسم حدوده بأمورٍ منها : أن الذين قعّدوا للغة العربية هم ذكور بلا شك..و بالتالي لا ضير أن يُهيمن النظر الذكوري على حساب زاوية نظر الأنثى، هذا من جهة، و من جهة أخرى لا ضير أيضا أن يوجد زخمٌ هائل من المصطلح المذكر في مقابل ترسانة قليلة العدة من المصطلحات المؤنثة و رغم قلّتها فإنّ النحاة الذكور وضعوا لها قواعد صارمة تضعها في حكم الشاذ الذي لا يطّرد لأن المؤنث في نهاية الأمر هو نشاز و فرعٌ طارئ على الأصل الذي هو مذكّر.
2) الصوت و المعنى.
تثير النصوص التي عرضناها فيما سبق إشكالية كبيرة و خطيرة في الآن نفسه و هي غياب المرأة عن كتابة التراث النحوي العربي حصرا. هل هذا يعني أنّ المرأة غُيّبت عن كتابة النحو ؟؟ أم أنها انشغلت بتربية من كتبوا النحو وأنكروا الجميل ؟ ! سيظهر من خلال النصوص التي سنعرضها فيما بعد أن صوت المرأة كان مرفوضاً ، و سيظهر أيضا أن قسمة الأصل و الفرع في اللغة ستمتدُّ إلى آفاق معرفية أخرى كالبلاغة مثلا؛ هل هذا يعني أن البلاغة ستكون تحت سيطرة الذكور ــ هي الأخرى ــ ؟؟ هنا يفاجئنا عبد الحميد الكاتب في إحدى رسائله قائلاً (خير الكلام ما كان لفظُهُ فحلاً ، و معناهُ بكراً ) ص 133. و هنا من جديد تأخذ المرأة \ المؤنث قسمتها في اللغة تحت إشراف عبد الحميد الكاتب \ (الفحلُ) ؛ لما لا و قد أعطى أخطر ما في اللغة للمذكّر \ الرجل ، و هو اللفظ الفحلُ. و تركَ المعنى للمؤنّث للمرأة ، و هذا المعنى بكرٌ. و البكر كما جاء عند صاحب معجم مقاييس اللغة أن (البكر هي النساء التي لم تُمس قطُّ) يُفهمُ من قسمة عبد الحميد الكاتب، و من تحديد صاحب قاموس “مقاييس اللغة” أنّ ‘البكر’ معنى جديد لم يسبق إليه أحدٌ لاستهلاكه أو قوله ، و كثيرا ما كان النقّاد القدامى يعيبون على الشعراء استعمال المعاني القديمة في أشعارهم. و كأنّ الصراع سباق إلى قول معاني جديدة ، او بتعبير أدق الصراع هو سباق إلى فتح أبكار لم تُمس من قبلُ. وبما أن خير الكلام ما كان لفظهُ فحلاً، فإنّ الإبداع سيظل رهينا في يد الفحل، و كلّ تميّز و تفرّدٍ لغوي فهو فحل قويّ مذكّر، و لا غرابة في هذا، فقد أكّد اللساني أحمد شحلان المتخصّص في اللغة العبرية أن العبرية تطلقُ اللفظ المذكّر على كل ما هو قويٌّ و خطيرٌ و متوحّشٌ، و ضخمٌ و شجاعٌ، أمّا المؤنث فيطلقُ على معنى الأمومة ، و الخصوبة ، و التغذية و على كل ما يتسم بالأنوثة او لنقل بتعبير عبد الحميد ‘الأبكار’. تُحيلنا هذه الثنائية على قسمة خطيرة في الوجود الثقافي للمرأة العربية خاصة ، و هي أن اللفظ الفحل هو قِوامُ اللغة و تجسُّدها الحقيقي، في حين يبقى المعنى البكر موجها من لدن اللفظ الفحل. فالمعنى \ البكر تابع في أحسن الأحوال ، و لا يُمكنُ أن يكونَ أصلاً لكي يصبحَ مُوَجِّهًا. هنا يفاجئنا نصٌّ آخر يقولهُ رجل آخر فحلٌ هو الجاحظ في “البيان و التبيين ج 1 الصفحة 155 ” ( المعاني مطروحةٌ في الطريق يعرفها العربي و العجمي) فالمعنى \البكر \ المؤنث مطروحٌ في الطريق لا يعدو أن يكون موضوعا فقط ، إذا كان اللفظ \ الفحلُ فاعلا فهو المظهر الخطّي و الكتابي للغة و عليه مدار الأمر ، أمّا المعنى فيبقى على الهامش فهو موضوع و لا يمكنُ أن يكونَ ذاتاً لغوية ، و يعود الجاحظ نفسهُ \ الفحل ليؤكد أن خير الكلام ما قوِيَ لفظُهُ و اختير بعناية ، يقول ( المعاني موجودة في طباع الناس يستوي فيها الجاهل و الحاذق ، و لكن العمدة على جودة اللفظ ، و حسن السبك ، و صحة التأليف ) فاختيار اللفظ \ الفحلُ ضروري ليكون الكلامُ صحيح التأليف ، أمّا المعنى \ البكر \ المؤنث فيستوي فيه الحاذق و الجاهل. و شتان بين الحاذق و الجاهل !! ها هنا فكرة مهمة جدا : هل كُتِبَ على المعنى \ البكر \ المؤنث أن يكونَ هامشيا إلى درجة أنه مطروح على قارعة الطريق ، و يستوي فيه الجاهل و الحاذق ؟؟ !! إنها قسمة غير عادلة و تحيُّزٌ ذكوري فاحش ، حتى و إن كان على مسرح اللغة.
هناك نصٌّ آخر يؤكد النظر الذكوري التهميشي لكل ما هو مؤنث \ بكر يقول فخر الدين الرازي ( اعلم أن الفصاحة خلوص الكلام من التعقيد ، و أصلها من قولهم أفصحَ اللبن إذا أخذت عنه الرغوة) و الرغوةُ عند صاحب مقاييس اللغة ج2ص 415 هي ( الزبدُ . و الجمعُ رغًى ، و رغّى اللبنُ من الرغوة ــ و عنده أيضا ــ كلامٌ مرغٍّ : لم يُفسّر ، كأنّ عليه رغوة ) يؤكد الرازي في قوله السابق أن الأصل في الفصاحة هو خلوصها من التعقيد و هذا التعقيد هو الرغوة الزائدة التي تطفو على سطح اللبن، و هذه الرغوة لا نفع فيها لأنها حسب معانيها اللغوية مجرّد زبد ، و الزبدُ يذهبُ جفاءً. هناك تحاملٌ آخر على المعنى \ البكر \ المؤنث لكونه كلام مرغٍّ لم يفسّر. و الملفتُ في كلام الرازي انّ ‘الفصاحة ‘ مؤنث \ بكر لكنه احتال عليها و عرّفها تعريف المذكّر (اعلم أنّ الفصاحة ‘ خلوص الكلام من التعقيد ‘ )؛ و هذا التعقيد \ أو الرغوة \ المؤنث له معنى آخر في قول الجاحظ الفحل ( البيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى)، سبق أن أشرنا إلى أن قسمة المرأة في اللغة هي المعنى ، و المعنى هنا له قناعٌ ، و المعنى \ البكر مطروح في الطريق ، و المعنى \ البكر يستوي فيه الحاذق و الجاهل..و الآن هل قسمة المرأة \ المؤنث التي هي المعنى المطروح الهامشي و المعنى المقنّع دليل على غموض المرأة ؟ هل من المعقول أن نختزل ضمير المؤنث في دائرة الغموض المُقنّع ؟؟ ! سنكمل هذه الرحلة في الحلقة القادمة مع تقديم إجابات مُمكنة.

 





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
سانتا كلوز .. مسيح الشيوعية!
أزمات قطر الجديدة بالمغرب
المهربون التنمويون 2: الخبرة المحلية بين الاستعباد والاستبعاد
محمد الجوادي – كونت “فلاندرز”!
المهربون التنمويون العدد 3 : الــمــؤامـــرة الصـــامـــــتـــــة
المرأة في التراث اللغوي : صوت الأنثى بين الموت و الحياة -الحلقة 3-
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعد عامين عن مؤتمره التاسع
توضيح بشأن صورة نشرت في جريدة “أخباركم الأسبوعية”
ولاية الفقيد.. أحدث نظريات الحكم العربية!
المرأة في التراث : بين الرّجُلِ الفَحْلِ و الأنثَى الفَحْلةُ الحلقة -4-